News

ديديم كينالي… توحش الجسد في معبد الأداء

"الإيحاء" في رقص ديديم، لا يعني إرسال الغمزات والإشارات، بقدر ماهي سكنة وسط حركتين، مساحة بيضاء في نص يحتمل التأويل، حتى تبدو الموسيقى وكأنها تتبع الرقص، لا الرقص يتبع الموسيقى.

img_6072-1

أحمد ندا*


إهداء:

مشاعل: إلى محبتنا المشتركة للرقص.**


يإمكان الارتجال أن يصنع نصا مفارقا، لكن مثل هذه الصدف لا تتكرر كثيرا، فكيف يمكن الارتجال في حضرة جسد يعرف كيف يخلق فضاء توحشه الفني، خارج كل السياقات المألوفةلنا؟

ربما يعيش البعض أعمارا، مشغولين بالجسد في الفن، الجسد كمعطى جمالي، الجسد كفكرة تحاول الكتابة أن تؤطرها، فتنجح في قنص بعض جمالياتها اللامحدودة. لكن عندما يكون الحديث عن الرقصالشرقيتخرج الكليشيهات من مكمنها السلطوي لتغتال الارتجال، اللعب خارج القواعد، النظر إلى الطزاجة والتفاعل مع دهشتها الأولى.

الرقص الشرقيالعبارة التي حملت سلطوية مصرية لغوية وفنية، بالكاد يمكن الخروج منها إلى آفاق أكثر اتساعا. حتى كأنالشرقيةلا تعني إلا ما هو مصري، وكل خروج عليها تجديف. مثلها مثلالموسيقى الشرقيةالتي ظلت أعواما طوال تعني ببساطة منتجها المصري باستثناءات حلبية ولبنانية وعراقية بسيطة. هكذا يتحول الرقص الشرقي إلى قاعدة مصرية هائلة واستثناءاتغير عربيةتمرح أجسادها على أرض مصرية.

ديديم كيناليقد لا يعني الاسم شيئا لكثيرين، لكن لهؤلاء المتطلعين إلى جمال جديد، إلى توحش فني يتحرك بخفة فوق القواعد والكليشيهات، ليقول نصه المفتوح.

نيتشه (ودائما نيتشه في حضرة الجسد) لم ينتصر للرقص، إلا ليخلخل المنظور المثالي البالي عننزاهتهالمفترضةلا نستطيع نحن، الفلاسفة فصل الروح والجسد، كما يفعله العامي، ينبغي لنا دوما تأليف أفكارنا من عمق معاناتنا، وتدبير أمرها بحنان بكل ما فينا من دم، من شفقة، من رغبة، من هوى، من قلق كبير، من وعي، من قدر“.

الميزة الكبرى للرقص الشرقي، أن إطاره الحركي أوسع من تقييدات الفنون الأدائية الأخرى، الانفلات المحسوب بعناية، مفاضلة بين الإيروتيكا والتعبير الفني، وتجسيد الموسيقى، هو لغة ترسل إشاراتها متعددة الدلالات لهؤلاء الذينلم يتقولبواداخل أنماطهم. وهل في الفن ما هو أجمل من كسر النمط.

عشر سنوات وديديم كينالي، الراقصة التركية ذات الثلاثين عاما، تفرد لجسدها توحشه، بعدالة. حيث لا مفاضلة بين اليدين أو الخصر أو القدمين، ثباتا أو حركة. مزيج رائع بين مصرية الرقص وشاميته وتركيته. كانت في ظهورها الأول عام 2006 “حدثابلعبها عبر الأنواع، كأنها تكتب نصا بعد حداثيا عابرا للنوع، فيه من الشعر والقصة والرواية، وفي الخفاء تتبدى الإيروتيكا في أكثر أشكالها نقاوة وإيحاء.

الإيحاءفي رقص ديديم، لا يعني إرسال الغمزات والإشارات، بقدر ماهي سكنة وسط حركتين، مساحة بيضاء في نص يحتمل التأويل، حتى تبدو الموسيقى وكأنها تتبع الرقص، لا الرقص يتبع الموسيقى.

موسيقى الجسد هذه، قوتها في مفاجآتها، لا وجبات جاهزة، ولا نهاية متوقعة، هنالك دائماقيمة مضافة“. بحيث يصير الوجه حياديا بابتسامته الثابتة، لأن الكلام هَهُنا ليس لآلته المعتادة، بل إلىالمادة الوحيدة التي ينبعث منها النص الإبداعيالجسد، كما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفري.

من هي ديديم كينالي إذن؟ معلوماتها الرسمية، يمكن لي باحث أن يجدها في الفضاء الافتراضي، لكن الفن، الفن شيء آخر، والحفاوة به ملزمة.


(*) كاتب وصحفي من مصر

(**) مؤسسة موقع المها للفنون

Leave a comment

Your email address will not be published.


*


Error. Page cannot be displayed. Please contact your service provider for more details. (30)